فوزي آل سيف
45
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
وقد صُيّر الإمام الكاظم عليه السلام إليه بعد أن أخرج من سجن الفضل بن الربيع، كما تقدم، ويكاد المؤرخون يتفقون على أنه لم يضيق على الإمام في سجنه،[103]ولذلك تمت معاقبته من جهة هارون لكنهم يختلفون في الباعث على ذلك، فهل ذلك كان لأجل إيمان الفضل بإمامة موسى بن جعفر وأنه تشيع على أثر رؤيته كرامات الإمام عليه السلام. أو أن الأمر كان كما كان لمنافسه الفضل بن الربيع وأنه كان في حدود الاعجاب، من دون أن يجر إلى التشيع بالمعنى الخاص والإيمان بالإمامة! آراء: - فيظهر من الشيخ علي الكوراني في كتابه سيد بغداد الميل إلى الأول. ولا نعلم من أين استفاد الشيخ الكوراني حفظه الله أن الفضل «قد تشيع وأخذ يفكر جديًّا في انقلاب على العباسيين لمصلحة بعض العباسيين أو العلويين، وبحث ذلك مع أبيه وأخيه في سرية تامة عن هارون»؟ فإننا لا نجد قرائن على ذلك بل توجد قرائن على خلافه، وبشكل أخص على موقف أبيه (يحيى بن خالد البرمكي) السيء تجاه الإمام عليه السلام حتى لقد عُصب تسميم الإمام عليه السلام بيحيى، وقد ذكره نفسه في موضع آخر من كتابه،[104]فكيف يتباحث الفضل مع أبيه في انقلاب على العباسيين؟. وأضاف في هذا الموضع قائلا: «لكن ابنه الفضل رفض إطاعة أوامر هارون، ومعناه أنه كان يميل إلى الإمام ويعتقد بأنه ولي، أو إمام”!. ونقول إننا لا نرى سببًا واضحًا للقول بأن الفضل كان يعتقد أن موسى بن جعفر هو إمام، بل نعتقد أن مظلومية الإمام الكاظم عليه السلام قد استقطبت أكثر من تعامل معه، فإنه مع عظمة شخصيته نسَبًا وحسَبًا وعلمًا وعملًا، تمت معاملته بأسوأ أنحاء المعاملة من غير مبرر حتى لو كان صوريًا! وفي المقابل تجلى الصبر على الأذى عنده والصمود بأجلى معانيه، والترفع عن الانتقام كذلك؛ الأمر الذي جعل عيسى بن جعفر المنصور الذي كان مشرِفًا على سجنه الأول يقول: إنه راقبه فما وجده حتى يذكرهم في الدعاء بسوء! ولا ريب أن هذه النفوس العالية تستقطب الناس وتجذبهم! وهذا الانجذاب والاعجاب أعم من أن يكون مقرونًا بالاعتراف بإمامته وعدم الاعتراف!
--> 103 المفيد، الإرشاد٢/٢٤١: “.. وكان عليه السلام مشغولا بالعبادة يحيي الليل كله صلاة وقراءة للقرآن ودعاءً واجتهادا، ويصوم النهار في أكثر الأيام، ولا يصرف وجهه من المحراب، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه. فاتصل ذلك بالرشيد وهو بالرقة فكتب إليه ينكر عليه توسعته على موسى ويأمره بقتله، فتوقف عن ذلك ولم يقدم عليه، فاغتاظ الرشيد لذلك ودعا مسرورًا الخادم فقال له: اخرج على البريد (دواب البريد السريعة) في هذا الوقت إلى بغداد، وادخل من فورك على موسى بن جعفر، فإن وجدته في دعة ورفاهية فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمد ومره بامتثال ما فيه. وسلم إليه كتابا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره فيه بطاعة العباس بن محمد. قدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى بن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك فأوصل الكتابين إليهما، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس بن محمد، فدعا العباس بسياط وعقابين وأمر بالفضل فجرد وضربه السندي بين يديه مائة سوط، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل، وجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا. 104 والسؤال الثاني: هل يمكن القول إن سبب نقمة هارون على البرامكة، أنهم فكروا بانقلاب على العباسيين لمصلحة العلويين، أو أنهم تعاطفوا مع الإمام الكاظم عليه السلام في أواخر أيام سجنه، وهل يؤيد ذلك أن هارون تعمد إبقاء سبب نقمته عليهم سراً، وما رواه الطوسي في الغيبة/ 25: «وكان يحيى يتولاه، وهارون لا يعلم ذلك»؟ والجواب: أن هذا الاحتمال لا ينهض مقابل ما يعارضه، فقد روت مصادرنا عمل يحيى بن خالد البرمكي لقتل الإمام الكاظم عليه السلام وسعيه به إلى هارون، وتوظيفه بعض أقارب الإمام عليه السلام واستقدامهم ليشهدوا عليه عند هارون! ولا ينهض مقابل أن الإمام الرضا عليه السلام كان يدعو عليهم في عرفات لأنهم سعوا في قتل أبيه، قال عليه السلام: «إني كنت أدعو الله تعالى على البرامكة بما فعلوا بأبي، فاستجاب الله لي اليوم فيهم! فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بُطش بجعفر ويحيى، وتغيرت أحوالهم» (عيون أخبار الرضا عليه السلام: 1/ 245). فاليقين في أمرهم: إن الذي سعى بقتل الإمام الكاظم عليه السلام هو يحيى كما نصت أحاديثنا.